أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

) فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) سورة الرعد، آية 17

الأربعاء، مارس 01، 2017

المعماري والزبون



جمال اللافي


عندما يعجز المعماري عن إقناع زبون ما بفكرته التصميمة لبيته، أين يكمن الخلل؟
·        هل هو في عدم قدرة المعماري على توصيل فكرته بالصورة الصحيحة؟
·        أم هو في عجز الزبون عن استيعاب فكرة المعماري وبالتالي رفضها؟
·   هل الرفض ناتج عن عدم قدرة المعماري على استيعاب حاجات زبائنه ومتطلباتهم ومواكبة تطلعاتهم وفهم معطيات العصر؟
·   أم هو في عدم تقبل زبائنه لأفكاره الثورية التي تتحدى التقليدي والسائد وتطرح أفكارا وتصورات جديدة للبيت الليبي المعاصر؟
·        وهل يتفق جميع الزبائن في الرؤية والطرح والفهم لماهية وشكل وصورة البيت الليبي المعاصر؟
·   أم يتباين ويتضارب فهمهم وتصوراتهم لماهية هذا البيت، بحيث يصبح ما يرفضه زبون قد يتقبله آخر. وبالتالي تصبح المسألة ليست أكثر من حظوظ بين معماري وآخر في فوزه بالزبائن الذين يتقبلون أفكاره وينفذونها بحذافيرها دون زيادة أو نقصان؟

       يطرح هذا الموضوع عدة تساؤلات يفترض أنها تدور في ذهن كل معماري ومعمارية. والإجابة عنها هي مقدار ما سيكتسبه كل واحد منهما من رصيد معرفي حول البيئة الاجتماعية والاقتصادية والمناخية في ليبيا وبالتالي مدى قدرته على استيعابها والتفاعل معها والخروج بمحصلة تظهر في نتاج أعماله. وبالتالي اكتساب القدرة على مقاومة كل ما يتعارض مع هذه المعطيات نتيجة جهل المجتمع بها وبتأثيراتها السلبية عليه. وفرض ما هو مناسب فعلا للمجتمع وليس ما يعتقده أو يتصوره أو يريده أو تفرضه عليه إمكانياته المعرفية المحدودة أو التأثيرات الخارجية عليه.

       الإشكالية الحاصلة في العلاقة بين المعماري والزبون يشترك فيها الطرفين، وذلك لغياب حالة وعي وإدراك لدى كل منهما بما يحتاجه المجتمع الليبي وكيفية التعبير عنه فراغيا. وعي غائب لغياب التوعية ومشوه لتشوه الصورة التي تنقلها وسائط الإعلام المختلفة. ومسلوب الإرادة وتابع لسطوة التعليم والإعلام التغريبي على العقلية الليبية لكافة أوساط المجتمع الليبي.

        لهذا نحتاج لتقريب الفجوة بين المعماري والزبون من خلال تكثيف حملات التوعية بما يحتاجه المجتمع الليبي ويتناسب مع معطيات البيئة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية. وبإعادة النظر في المنهج الدراسي لطلاب أقسام وكليات العمارة والهندسة بمختلف تخصصاتها المرتبطة بالعمارة والعمران.



الاثنين، فبراير 20، 2017

لمن يصمم المعماري في ليبيا؟




جمال اللافي


·        لماذا نمارس عملية التصميم المعماري للمساكن؟
·        ما المستهدف من هذه العملية. ومن المستهدفين بها؟


أسئلة دائما ما تراود ذهني عندما أشرع في تصميم أي مشروع وخصوصا المشاريع السكنية. وحتى عندما انتهي من تصميم أي وحدة سكنية، بعد أن تنال قبول الزبون ورضاه التام، يبقى هذا السؤال هاجسا يقض مضجعي ليلا ويرهق ذهني تفكيرا نهارا. وكلما عاودت النظر إلى تصاميمي السابقة أشعر بقلق شديد من أنها لم تحقق المستهدف منها بالصورة التي يفترض أن أفعلها. ويتبادر إلى ذهني عدة تساؤلات تطرح نفسها في إلحاح يصل إلى حد الاستفزاز:
·   هل حقا استطعت فعلا أن أنجح في تصميم بيت لمواطن ليبي، يتوافق مع طبيعته وعاداته وقيمه ومتطلباته واحتياجاته ويواكب تطلعاته ويعبر عن روح العصر الذي نعيشه في ليبيا تحديدا (بما تسمح به امكانياتها التقنية والتنفيذية وما هو متاح ومتوفر فيها من مواد بناء وعمالة فنية)؟

أم أنا فقط أمارس حالة خداع لمواطن لا يعي أكثر من أنه تحصل على واجهة جميلة في عينية ومجموعة من الفراغات المصفوفة بطريقة متناسقة تحقق ما طلبه منها ضمن المساحة التي يملكها من حيث الوظائف التقليدية لأي بيت في العالم، قد يوفر له بعض الاكتفاء الظاهري منها ولكنه لا يجلب له أسباب الراحة النفسية الناتجة عن شعوره بالانتماء والرضى والخصوصية. ولا يحقق له كامل الاكتفاء في نكامل الوظائف مع بعضها البعض ومع عناصر التأثيث. بيت يفرح به أياما وشهورا ويشقى بداخله بقية عمره.

·        وهل حقا هذا البيت يعكس في تصميمه البيئة الليبية بكل معطياتها ويتوافق معها؟

أم أنا فقط أرمي بهذه الأوراق في وجه الزبون بطريقة مهذبة وأنيقة، تاركا إياه يتحمل نتائج كذبة كبيرة لن يصطدم بزيفها إلاّ بعد أن يعايشها داخل هذا البيت، فينكمش من برودة الشتاء وصقيعه تحت أطنان من البطاطين ووسائل التدفئة التي تستهلك من صحته أكثر مما تستهلك من ميزانيته المحدودة. وعندما يأتي عليه الصيف بحره وقيضه ينضح جلده عرقا من الحرارة الشديدة في كل لحظة يعيشها داخل هذا البيت، فلا يجد أمامه غير مكيفات التبريد ليخرج من واقعه المؤلم إلى حقيقة أكثر إيلاما حين ترتد هذه المكيفات على صحته وميزانيته أيضا. فيتحول هذا البيت إلى قاتل صامت. وأنجو بفعلتي من العقاب الدنيوي في انتظار عدالة السماء لتأخذ حقها مني في يوم ما.

ولا أجد أمامي اليوم إلاّ هذا السؤال التائه في زحمة الإنتاج الكمي، الذي لا يضع في اعتباره أو لم يستطع حتى هذه اللحظة أن يضع في اعتباره هذا السؤال:
·        لمن يصمم المعماري الليبي؟


هي دعوة أوجهها للزملاء المعماريين من خلال مكاتبهم الهندسية لتنظيم معرض معماري يقدم خلاصة ما وصل إليه المعماري الليبي من حلول لإشكاليات البيت الليبي المعاصرة. يصاحبه حلقة نقاش حول هذه الإشكالية. أما رعاية هذا المعرض فهي مفتوحة لأي جهة داعمة.

الاثنين، يناير 30، 2017

جدلية الرسم اليدوي والرسم الحاسوبي


جمال اللافي


       استوقفني هذا التطور المذهل في التقنية الحاسوبية وخصوصا ما يتعلق ببرامج التصميم المعماري ثنائي وثلاثي الأبعاد. وبرامج الجرافيك التي يحتاجها المعماري في إخراج مشاريعه بأفضل صورة. وهذا يقودني بالضرورة لجدلية لا زالت قائمة حول أفضلية الرسم المعماري اليدوي عن استخدام الحاسوب وعلاقتها بالحالة الإبداعية للمنجز المعماري الناتج، كما يقولون، عن التواصل المباشر الذي يتم بين الدماغ باعتباره مكمن الفكرة والعين واليد. معللين أن هذا التواصل يتعرض لحالة إعاقة في تسلسله الطبيعي والسلس عند التعاطي مع برامج الرسم المعماري باستخدام الحاسوب وبرامج الجرافيك.


       في اعتقادي ومن خلال تجربتي الشخصية، أن المنتج المعماري في الحالتين هو نفسه من حيث مرحلة وضع الفكرة الأولية للتصميم المعماري، فالعلاقة بين الدماغ والعين التي تنظر للورقة على الطاولة أو إلى الحاسوب واليد التي ترسم على الورقة أو تعطي الأوامر لأيقونات الرسم المعماري بالحاسوب هي نفسها في انسيابيتها وسلاستها وخصوصا عندما يكون المصمم المعماري متمكنا من استخدام هذه البرامج وملما بالطرق المختصرة لإصدار الأوامر المتعلقة بالرسم في بعدين أو في ثلاثة أبعاد. وكل ما تغير هو تحور شكل القلم من رصاص أو خطاط إلى فارة يمكنك من خلالها توجيهها إلى الأوامر التي تريدها في كل لحظة رسم وتعديل. وهذا يجعلنا وأنا غير متيقين بالضرورة من حقيقة هذه المعلومة أن الإنسان الذي بنى عمائر قوم عاد من خلال حفر بيوتهم في الجبال كانوا يلجأون إلى الاستعانة بالأزميل والمطرقة في تنفيذ تصورهم لبيوتهم مباشرة على حجر الجبال ولم يحتاجوا في تلك المرحلة إلى وضع التصور المبدئي على ورق ولم يستخدموا أقلاما.

       إذاً، يبقى الفكر الإبداعي واحدا وتتغير أدوات المعماري كلما تطورت التقنية لتسهل عليه الكثير من الأمور. منها على سبيل المثال، أن المعماري يستهلك كمية كبيرة من الورق في مرحلة وضع الفكرة المبدئية لأنه مضطر في كل مرحلة أن يبدأ في رسم فكرته من الأساس بمجرد أن يلاحظ خطأ أو إشكالية أو تطرأ عليه فكرة جديدة أو معالجة لإحدى زوايا المبنى أو زيادة في مساحة إحدى فراغاته. وهذا الأمر تم تجاوزه بعد ظهور برامج الرسم المعماري باستخدام الحاسوب، حيث يكفي المعماري أن يأخذ نسخة من تصميمه الأولي ليجري عليها التعديلات التي يريدها سواء تعلقت بزيادة مساحة فراغ أو التعديل في شكله أو مكانه.

       هذا من جهة ومن جهة أخرى فقد كان الرسم ثلاثي الأبعاد إلى جانب أنه يستغرق وقتا طويلا لإنجازه بالرسم اليدوي، فإن المعماري يحتاج لإظهار كل زاوية في المبنى إلى رسم أكثر من منظور ثلاثي الأبعاد وهذا يشتت عين وتركيز المشاهد لها وخصوصا الزبون فهو يحتاج أن ينظر في كل مرة إلى رسم مختلف موضوع في ركن من اللوحة. أو في لوحة مستقلة. وأيضا يأخذ وقتا طويلا من المعماري لإنجاز المطلوب.




       في المقابل فإن برامج الرسم ثلاثي الأبعاد، تتيح للمعماري أن يصمم مشروعه ثم يحوله إلى ثلاثي الأبعاد. ومن يشاهده فقط عليه القيام بعملية تدوير سهلة للمشروع داخل الحاسوب لينظر إليه ككتلة واحدة من جميع الزوايا (من الداخل والخارج) ومن تم يختار الزوايا التي يريدها بضغطة زر. ومن خلال هذا المجسم يستطيع أيضا استخراج المساقط الأفقية والواجهات والقطاعات التي يريدها ووضع جميع الأبعاد والبيانات التي يتطلبها التصميم بكل يسر وسهولة كاسبا الوقت والجهد.

       لهذا علينا اعتبار استخدام الحاسوب وبرامجه في الرسم المعماري هو مرحلة جديدة في تطور أدوات وتقنيات الرسم والإظهار المعماري، لا يمكن تجاهلها وليس بالضرورة تعلمها لمن لا يزال يصر على استخدام الوسائل القديمة في تنفيذ مشاريعه عن طريق الرسم اليدوي.


       كما أن وجه الاعتراض على استخدام الحاسوب من طرف المعماري لا يصح بقدر اعتراض الفنان التشكيلي على ذلك، لأن المنتج المعماري المستهدف هو تنفيذ المبنى وليس رسمه. والرسم المعماري هو وسيلة إيضاح لتوصيل الفكرة للزبون ومن بعده للمقاول الذي سيتولى تنفيذ المبنى. وكل وسيلة تحقق هذه الغاية على أكمل وجه فهي مقبولة. فما بالك عندما تتميز هذه الوسيلة بالكفاءة والجودة والسرعة العالية.



الخلاصة، أن عملية التفكير الإبداعي سواء في مرحلة وضع الفكرة الأولية أو استكمال باقي مراحل التصميم لا تتأثر بالأداة التي يستخدمها المعماري، بقدر ما تتأثر بمخزونه المعرفي وفهمه لطبيعة المشروع الذي يصممه ومدى قدرته فعلا على تقديم حلول إبداعية. وإن لم يمتلك هذه القدرة الإبداعية فلن تنفعه لا يداه ولا قدماه ولا أضخم حاسوب في العالم مجهز بأفضل برامج التصميم والجرافيك.

الجمعة، يناير 20، 2017

التنمية المستدامة والبيت الليبي الأخضر[1]


خطوة على الطريق الصحيح




جمال اللافي


هذا الشتاء فرض على جميع الليبيين عامتهم ومتخصصيهم (معماريون/ إنشائيون/ تقنيو التكييف/ ومصانع/ موردو مواد البناء/ المستثمرون العقاريون) التفكير مليا في مسألة البحث عن حلول وبدائل جديدة وأكثر فاعلية فيما يتعلق بمسألة تكييف بيوتهم (العزل الحراري) لمواجهة ازدياد حدة موجة البرد والصقيع، في مقابل انقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة.

وأذكر في هذا السياق أن أحد الزملاء سألني من خلال صفحة يديرها عن العمارة الخضراء قائلا:
برأيك ما هي الخطوات المبدئية التي تراها ضرورية للشروع في تنفيذ بيوت تستخدم الطاقة المتجددة من واقع ظروف ليبيا الراهنة؟

v    بمعنى كيف ومن أين نبدأ؟

فأجبته:
أعتقد أن هذا الموضوع المهم قد تمّ تغطيته من الناحية النظرية من خلال العديد من الكتابات والحوارات والأمنيات التي دارت وتدور بين بعض المعماريين في ليبيا. ولكن من الناحية العملية، لا توجد أي خطوات جادة. بل ربما تجد منهم من سعى إلى إفشال الكثير من الخطوات في هذا الطريق من خلال تجاهله أو تمييعه أو عرقلته لأي برنامج عملي، كان يمكن أن يتحقق لولا وجودهم على هرم السلطة أو مواقع اتخاذ القرار.

لهذا نأمل- وهنا نعود للأمنيات- أن تكون المرحلة الجديدة، جديدة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. وأولها تجديد النفوس والعقول وبعث الهمم لطرح خطوات تسير في خط واحد معا، من خلال تنفيذ برامج ومشاريع عملية تستهدف تحقيق إنجازات ملموسة على مختلف الأصعدة، والعمل الدؤوب كي تتحول من براح التنظير إلى واقع التطبيق. وما أسهل طرح الأفكار وأصعب تحويلها إلى واقع ملموس. وعلى رأسها مجالات التنمية العمرانية المستدامة. ويمكننا هنا تلخيص بعض الخطوات العملية على هذا الطريق:

الخطوة الأولى، تنويع مصادر البناء بالمواد الطبيعية المحلية الصديقة للبيئة.


       هناك مصنعين كانا في طور التركيب، لتصنيع (الطوب الرملي) أحدهما بمدينة سبها والآخر بمنطقة سيد السايح، والمطلوب أن تتم متابعتهما لاستكمال المراحل غير المنجزة ومنع أي محاولة لعرقلة مراحل تنفيذهما ومباشرتهما عمليات الإنتاج الفعلي. بل والدعوة لتنفيذ أكثر من مصنع لضمان تغطيته للسوق المحلي.

هناك أيضا تقنية البناء بالتراب وتحويله إلى قوالب، التي قامت بتطبيقها شركة ومعهد فرنسي على بعض المباني في مدينة غدامس. وقامت في الوقت ذاته بتدريب 400 من شباب المدينة على البناء به.

إلى جانب تحويل مادة التراب والطين إلى قوالب، أعادت بعض المؤسسات والشركات الأوروبية تجربة البناء بتقنية ضرب الباب والتفنن في تشكيل أنواع التراب بألوانه المختلفة بحيث تتحول الحوائط المبنية بهذه الطريقة إلى لوحات جدارية لا تحتاج إلى لياسة. وهذا ما يؤكد على فاعلية هذه التقنية وقدرتها على مواكبة تطلعات العصر واحتياجاته.

الخطوة الثانية، فتح أفاق التعاون مع الجهات والمنظمات العاملة في مجالات التنمية المستدامة.



وذلك بالاتصال المباشر بالشركات والمعاهد والجامعات وخصوصاً" الألمانية" التي لها السبق في الكثير من البرامج والمشاريع المتعلقة بتوفير المصادر البديلة للطاقة والحلول الصديقة للبيئة في مجالات مواد وتقنيات البناء وتدوير مياه الصرف الصحي. والتواصل مع مثل هذه المعاهد والشركات والتعاون معها على تدريب مجموعات أخرى من الشباب الليبيين في جميع المناطق. وعلى إجراء اختبارات التربة وصناعة هذا أنواع الطوب (الطيني والرملي والترابي). وفتح فرص عمل وآفاق للبناء بهذه المادة المتوفرة محلياً بكميات كبيرة جداً.

الخطوة الثالثة، تنويع مصادر الطاقة والعزل الحراري في المباني.




من خلال طرح أفكار تخطيطية وتصميمية لمشاريع مجاورات سكنية معاصرة ومبتكرة، تعتمد على نظام الكتل المتلاصقة لتوفير العزل الحراري. والتقليل من استهلاك الطاقة. إضافة لاستخدام الطاقة الشمسية وطاقة الرياح في توليد الكهرباء والعمل على الاكتفاء الذاتي من هذه المصادر على مستوى الوحدة السكنية وعلى مستوى المجمعات السكنية والمناطق وعلى مستوى المدينة بأكملها. تقنية أخرى للعزل الحراري تعتمد أساسا على عزل أسطح المباني بطبقة من المسطحات الخضراء.

الخطوة الرابعة، التقليل من عوامل هدار مخزون المياه الصالحة للشرب والري.



من خلال تنفيذ مشاريع عمرانية تعتمد على استثمار مياه الأمطار الساقطة على سطوح المباني بتخزينها في المواجل والفسقيات في الشرب. كذلك إعادة تجميع مياه الصرف الصحي وتنقيتها وإعادة استخدامها في ري المسطحات الخضراء بالشوارع والبيوت وفي مجالات أخرى تتناسب مع طبيعتها.

الخطوة الخامسة، دعم برامج لتعميم انتشار الخضرة في بيوتنا وشوارعنا وحول مدننا.


فهي تعمل كمصدات للرياح وتنقية الأجواء وتحسين صورة البيئة المحلية وتهذيب النفوس، وهي كاسرات طبيعية لأشعة الشمس وحماية للجدران الخارجية من تسرب حرارتها إلى الداخل. وهذا يتطلب دراسة لأنواع النباتات وأماكن توزيعها داخل وخارج البيت الليبي.

وأخيراً:
أعتقد أن الخطوة المهمة في هذا الخصوص تتمثل في تطبيق هذه الأفكار من خلال مشاريع واقعية، لأن هذا سيكون له وقع أكبر من مجرد تبادل الحوارات وتنظيم حلقات النقاش والندوات والمؤتمرات، التي أثبتت جميعها ( في ليبيا تحديدا) أنها لا تجدي نفعا. وبالنسبة لموضوع مقارنة كلفة المباني المستدامة، فيجب الأخذ بالاعتبار حساب التكلفة على أساس دورة حياة المبنى بالكامل، لأن أغلب التقنيات المستدامة تكون مكلفة في البداية ولكن المردود يكون سريعاً.

ويمكننا في هذا السياق الاسترشاد بمحاولة جادة للمهندسة المعمارية صباح أبوبكر بالخير في استخدام ألواح الطاقة الشمسية في توليد الطاقة وذلك كجزء من رسالتها العلمية لتحضير درجة الماجستير... يمكن مراجعة تجربتها من خلال الدراسة المنشورة بمدونة الميراث على هذا الرابط:





[1] - هذه التسمية مأخوذة عن اسم صفحة على الفيسبوك، أسسها المهندس جمال ماشينة. وقد طرح هذا الموضوع على شكل حوارات داخل هذه الصفحة، قبل أن يتم إعادة صياغته. 

الاثنين، ديسمبر 26، 2016

جدلية المعمار الإسلامي في ليبيا




جمال اللافي


طرح أحد الزملاء من المعماريين المستجدين هذا الموضوع على صفحته على موقع الفيسبوك متضمنا بعض التساؤلات (التي تحمل معها بذور التشكيك، أكثر مما هي فضول باحث يبحث عن الاستزادة من المعرفة حول تاريخ عمارته وخصائصها المحلية). ولحساسية الموضوع رأيت أن أجيب عن تساؤلاته بعيدا عن صفحته تجنبا لأي إحراج له ولي من بعده ولكل من دعمه بالردود التشكيكية والمقصية لوجودها من حملة رسائل الدكتوراه. رغم وجود العديد من المؤلفات والبحوث والدراسات والمقالات التي تناولت التعريف بخصائص هذه العمارة.

وهذا نص مشاركته:
قبل فترة ليست بالبعيدة كنت قد كتبت في ورقة سؤال وجدته في كتاب (المعمار الإسلامي في ليبيا) وهذا السؤال هو ..
·                    هل في ليبيا فن معماري إسلامي ؟
·                    فإذا وجد فما هي ملامحه ومميزاته ؟
·                    وماهي المدارس التي تفاعل بها أو إنبثق منها ؟
·                    وإذا لم يوجد هذا الفن فما هي أسباب غيبته ؟
·                    ولماذا لا نشاهد من معالمه الباذخة مثلما نشاهد في مختلف البقاع الإسلامية ؟



الرد/
عادة ما تطرح مثل هذه التساؤلات عندما لا تكون هناك شواهد معمارية لمعالم ومدن قائمة، يمكن الرجوع إليها بحثا عن إجابة لمثل هكذا تساؤلات، يجوز طرحها من الغريب عن هذه البيئة لعدم درايته بها وبعده عنها وعدم معايشته لها، فيسأل أهل الاختصاص ليستمد منهم الإجابة.

ولكن من المخجل والمعيب والمؤسف جداً أن تطرح هذه التساؤلات ويدور حولها الجدال في وجود هذه الشواهد المعمارية، التي لاتزال تنبض بالحياة من حولنا، من طرف أبنائها الذين يعيشون في كنفها وتحت سقفها وبين دروبها.

وهي لا تحتاج من الباحث فيها أو عنها لأكثر من عين فاحصة ونظرة ثاقبة وتقييم نزيه لا يترك شاردة ولا واردة إلاّ ويخضعها للتوثيق والتحليل والدراسة والمقارنة مع مثيلاتها من حيث التشابه أو التباين أو الاختلاف. وتبين ملامح المؤثرات إن وجدت واستنكاه مصدرها الحقيقي إن عُرف. فإن لم يُعرف فلا يتم الإقرار به على غير دراية أو علم. والمصيبة تكون كبيرة عندما ينسب السائل أو الباحث مصدر عمارته المحلية إلى تأثيرات خارجية صرفة أو يحصرها في نوع محدد من المباني دون غيرها. فينتقص من قدرها. ويقلل من شأنها. ويجحف بحقها لصالح مؤثرات خارجية دون بينة أو وجه حق.

وبغض النظر على المراحل التاريخية بمسمياتها المختلفة التي مرت بها مسيرة العمارة المحلية عبر العصور في عموم ليبيا. إلاّ أنها تبقى دائما نتاج بيئتها وصناعة أهلها والمعبرة عن روح الزمان والمكان الذي وجدت به والمرآة التي تعكس حراك المجتمع وقيمه ومعتقداته.

أما لماذا لا نشاهد معالما باذخة كالتي نراها في بقاع أخرى من العالم، فهذا يرجع لاختلاف أحوال كل بلد والظروف والمؤثرات والقيم التي شكلت نسيج مدنها ومعالمها. وليبيا تحديدا لم تكن يوما مركزا رئيسيا لأي دولة أو مقرا لحكم سلطان، حتى يشيد لنفسه عمارة تسفر عن ثرائه الفاحش أو سطوته البالغة على هذه الدولة بحيث يسخر أهلها لتنفيذ نزواته وشهواته في بناء القصور الفارهة والصروح العالية والتحصينات القوية. بل عاشت ليبيا في سائر العهود التي مرت بها بعيدا عن اهتمامات الأباطرة والسلاطين والملوك الذين بسطوا نفوذهم عليها وفي ذيل قائمة اهتماماتهم، مما جعل أهلها يصرفون أموالهم على قدر حاجتهم من العمران. وما يحقق لهم التعايش في بيئتها بما يوفر لهم الراحة والاستقرار وتجنب المخاطر واستجلاب المنافع.

إبداع أصيل تجسد في تنوع نسيج مدنها ومخططات مساجدها ومدارسها وبيوتها وكل مرافقها الأخرى. هذا من جهة. ومن جهة أخرى فإن للقيم الدينية والثقافية التي يعتنقها المجتمع دورها في تحديد توجهاته ونظرته للعمارة. فالإسلام في جوهره ينهى عن الإسراف والغلو ويدعو للتوسط في كل شؤون الحياة. وهذا ما آمن به هذا المجتمع وطبقه في عمارته المحلية وفنونه الحرفية. والمقارنة لا تستقيم بين المجتمعات المتباينة في معتقداتها وثقافتها، فما بالك بالمتعارضة معها.

إذا كنا نطرح هذه التساؤلات في ظل وجود هذه الشواهد. فما حال الأجيال القادمة عندما لا يكون لهذه الشواهد أي وجود في ظل ما تعانيه اليوم من إهمال متعمد وتشويه ممنهج وتدمير مخطط له بعناية فائقة وصبر لا يكل ولا يمل حتى يجعلها قاعا صفصفا. في غياب الصيانة والترميم. وفي غياب التوثيق والدراسات العلمية المنهجية. وفي غياب الدولة الحريصة على تراث الأمة وتاريخها.