أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الاثنين، أبريل 30، 2018

مؤسسات لم يكتب لها الاستمرارية




تجربة المدرسة الليبية للعمارة والفنون
2004- 2008

الجزء الأول : تمهيد





الباحث المعماري/ جمال الهمالي اللافي


الحديث عن أي تجربة هو في حقيقته يستهدف بالدرجة الأولى استخلاص العبر وتمكين القادمين على تجربة معمارية جديدة من الاستفادة منها إما بالإسترشاد بها أو لتلافي الأخطاء وأوجه القصور فيها.

وكل تجربة- حتى يمكن الاسترشاد بها- لابد لها أن تقودنا إلى مقدماتها التي شكلت ملامحها وصنعت لها خصوصيتها المتفردة عن غيرها من التجارب السابقة أو المواكبة لها، من حيث المنطلقات والأهداف والغايات وآلية العمل لمواجهة المعوقات والتحديات وخلق الفرص وتحقيق الإنجازات.

الدوافع/
يمكننا القول أن تجربة المدرسة الليبية للعمارة والفنون انطلقت من دافعين
الأول: مرتبط بهجرة الأسر الليبية لبيت العائلة الذي كان يضم في رحابه عائلة ممتدة (الجدين، الأبوين، الأحفاد) وتشتتها بين العمارت السكنية التي أنشأتها الدولة أو إلى الأملاك المستردة من الطليان. 

الثاني: مرتبطة بظهور عمارة معاصرة انتشرت في ربوع البلاد فاقدة لأبسط قواعد التصميم المعماري للمباني السكنية. فاقدة لهويتها المعمارية المحلية، عرفت بالدوبلكسات، انتشرت على يد المقاولين السوريين الذين كانت لهم اليد الطولى في تشكيل ملامح العمارة الليبية المعاصرة في تلك الفترة من بدايات السبعينيات من القرن الماضي.

الأهداف/
تستهدف هذه الورقة تسليط الضوء على نظام عمل مختلف للمكاتب الهندسية والاستشارية من حيث رسم رؤية واضحة المعالم لإعادة الاعتبار للهوية المحلية في عمارتنا المعاصرة، يعتمد على ربط فريق العمل بموروثه الثقافي وتأهيله ليؤدي دوره على أكمل وجه. ولتكون نبراسا لغيرها من المكاتب المعمارية الهندسية والاستشارية.

المنهجية/
اعتمدت منهجية المدرسة الليبية للعمارة والفنون على تنظيم سلسلة من البرامج والأنشطة التي لم يكن متعارفا عليها في تلك الفترة بين المكاتب الهندسية والاستشارية التي اقتصر عملها على تصميم المشاريع المعمارية منها:
  • التأسيس للمدرسة على أسس منهجية تتبنى التأصيل للعمارة الليبية المعاصرة.
  • تهيئة أعضاء المدرسة نفسيا وفكريا على العمل الجماعي من خلال تقسيم العمل وفق المهارات والاهتمامات.
  • تنظيم الدورات التدريبية المجانية في المجالات التي تدعم عمل المعماريين وتسهم في تأهيلهم في المجالات ذات العلاقة بالمهنة.
  • إقامة محاضرات دورية تتناول مجالات العمارة والفنون والحرف في ليبيا.
  • إصدار المطبوعات والدوريات العلمية والثقافية المختلفة التي تتناول مجالات توثيق وإحياء التراث الثقافي.
  • تنظيم سلسلة من الرحلات العلمية للمدن القديمة للتعرف على معالمها وخصائصها المعمارية والعمرانية.
  • التأسيس للجمعية الليبية لإحياء التراث الثقافي. 
استخلاص النتائج/
1.    التعليم المعماري، يمكنه التأصيل لقيم المجتمع، مثلما يمكنه التغريب عن واقع المجتمع واحتياجاته الفعلية، تبعا للمناهج الدراسية ومدى ارتباطها بالواقع والممارسة العملية من عدمه.
2.   ممارسة المهنة ودورات التدريب والتأهيل، هي مرحلة جديدة يمكنها إلى حد ما إصلاح القصور في مراحل التنشئة والتأهيل السابقة لو أحسن توظيفها في الاتجاه الصحيح ودعمها بالإمكانيات المناسبة والتجارب العملية المستمرة ومواكبة كل جديد وحسن استثماره وتوظيفه.
3.       العمل المعماري الجماعي وتوحيد الرؤية في كل مكتب، هو السبيل الوحيد لتصحيح مسار ممارسة المهنة.
4.      المسابقات والمعارض المعمارية، نشاط داعم للإرتقاء بالحركة المعمارية في ليبيا وتوعية المجتمع.

أوجه الاستفادة من هذه التجربة/

في حالة ما تم استثمار هذه التجربة المعمارية، يمكننا تأهيل أجيال جديدة من المعماريين المتواصلين مع موروثهم الثقافي. المسلحين بالوعي والإدراك لواقعهم الاجتماعي والاقتصادي وظروف البيئة المحلية وآليات التعاطي مع المتغيرات والانفتاح على المستجدات في مجال العمارة.

الأحد، أبريل 15، 2018

الفن رسالة



جمال اللافي


الفنان التشكيلي يحمل في أعماله رسالة الارتقاء بالذائقة الجمالية للمجتمع وتهذيب النفوس. وحرصه على تنظيم المعارض الدورية في ليبيا بكل جديد لديه أولا قبل تنظيمها في خارجها مسؤولية عظيمة لا تقدر بالثمن الذي يرصده لهذه اللوحات.

مطلب الهوية ومسألة الانتماء


 
البيت الغدامسي


جمال اللافي


الهوية شجرة عظيمة من فصيلة الانتماء. جذورها تمتد في الماضي البعيد. وساقها راسخ في تربة الحاضر، يقف صامدا في مواجهة الأعاصير الهوجاء. وفروعها وأوراقها تتطلع إلى مستقبل واعد محصن بهذا الانتماء. وثمارها تنضج بالرعاية والسقاية والتغذية بالأسمدة الطبيعية وليدة البيئة وليس بالكيماويات المستوردة من الخارج، التي لا ندري ما تحمله معها من أوبئة وأمراض، حتى يلحق ضررها بالمجتمع. ضرر نراه يتفاقم مع الزمن حتى لا يمكن بعدها إصلاحه أو معالجته.


بعض غوغاء العمارة اليوم يطالبون باقتلاعها، ليبنوا في مكانها كتل خرسانية، لا تشعرهم بخواء الانتماء.

مطلب الهوية والمرجفون في المدينة


 
مدينة غدامس

جمال اللافي


الهوية في تعريفها الشعبي البسيط مرادف لقوة الشخصية. وفي عرف المجتمع ينظر لفاقد الشخصية نظرة دونية. وفي عرف المجتمعات الدولية يتعاملون مع الدول فاقدة الهوية بهذه النظرة الدونية  أيضا.

المرجفون في المدينة يريدون أن يستخفوا بعقولنا عندما يعتبرون مسألة التأصيل للهوية المعمارية المحلية لا تزيد عن كونها حالة استنساخ لعمارة الماضي. ويطالبوننا في ذات الوقت باستنساخ عمارة الغرب، بزعم أنها تدخل ضمن دائرة الإبداع.

وإليهم أقول: قدموا لنا أعمالا إبداعية لا تنتمي للشرق ولا للغرب وعندها سنحترمكم. ولكنني على يقين أن فاقد الشئ لا يعطيه. 

عجزكم عن الالتزام بمسؤوليات التأصيل للعمارة المحلية لا يبرر دعوتكم للإنسلاخ عنها. ورحم الله إمرأ عرف قدر نفسه فوقف دونه.

الجمعة، أبريل 13، 2018

النقد المعماري حالة أخلاقية






جمال اللافي


لم يدّع أحدا من الكتّاب في الوسط المعماري الليبي أنه يعتلي منبر النقد المعماري ويزكي نفسه على هذا. وبالتالي لا أحد يمتلك مفاتيح وسم من يكتب حول القضايا المعمارية التي تمس المجتمع بأنه من أدعياء النقد المعماري. فالكتابة المعمارية هي حالة عفوية تعكس معايشة يومية لهموم المجتمع وتطلعاته.

وهي إحساس بالمسؤولية الملقاة على عاتق المعماري، ينتج عنها كتابة لا يضعها ضمن سياق معين سواء كان نقدي أو فلسفي أو تنظيري، لأن هذه ليست قضيته. ولا يفعلها إلاّ من جبل طبعه على الخسة والنفاق، وله من وراء كتاباته ومحاضراته وحلقات النقاش التي يدعو إليها أغراضا ذنيئة، لا تستهدف بأي حال من الأحوال الارتقاء بالتجربة المعمارية الليبية.

من يريد أن يتصدى لعملية النقد المعماري، عليه أن يتصف بالنزاهة والمصداقية والموضوعية والحرص على الارتقاء بمجال المهنة والاحتفاء بأي حالة اجتهادية. ولا بأس بتقييمها بهدف تصحيح مسارها. ومن تغيب عنه هذه الصفات فعليه أن يحترم نفسه ويلتزم الصمت فهو أسلم له وأحفظ لمكانته.

الجمعة، أبريل 06، 2018

بدايات البيئة العمرانية فى ليبيا وتأثيرالسلوك الاجتماعى للافراد فيها عبر الزمن






المعماري/ صالح المزوغي



من المعروف أكاديميا أن البيئة العمرانية هى التى تعيد تشكيل السلوك الاجتماعى للافراد فيها  بعد تحولهم اليها من مناطق استقرارهم الى داخل البيئة العمرانية أى الى المدينة.... الا أنه ومن من خلال  المعايشة الشخصية لتأثير سلوكيات الافراد والجماعات في تركيبة وتكوين  البيئة العمرانية  فى ليبيا  منذ 50 سنة مضت  بالاضافة الى الاطلاع على تشكل هذه البيئة العمرانية المحدودة منذ نشأتها  فى بعض المراجع المحدودة  جاءت فكرة اجراء دراسة مبدئية حول تأثير هذا العامل في المخططات القادمة مستقبلا وذلك لتجنب سلبياته التى ساهمت بشكل واضح  فى تشوه البيئة العمرانية فى ليبيا بشكل سىء جدا لأن توجيه السلوك الاجتماعى للافراد نحو الانضباط  تلقائيا أو تحت سلطة القانون  فى البيئة العمرانية  من خلال التخطيط سيخدم مصلحتهم المعيشية فيها  ويحقق لهم مستوى تحضر أفضل  كما يحقق للدولة مصلحة كبرى من خلال استقرار السكان بمحافظتهم على  ببيئتهم العمرانية.

تهدف هذه الورقة الى التعريف بالسلوك الاجتماعى للافراد فى ليبيا  داخل  البيئة العمرانية   التى عاش الليبيون  فيها سواءا أكانت هذه البيئة العمرانية  داخل المخططات المعتمدة قديما أو داخل العشوائيات المنتشرة حول المدن الكبرى كما تهدف الدراسة الى توضيح دور السلوك الاجتماعى كعامل ضبط أو انفلات   الافراد فى  المجتمع الليبى  داخل التجمعات العمرانية قديما  وحديثا على النحو التالى :-
1-    فترة العهد العثمانى الثانى 1858-1911 .
2-    فترة  الاستعمار الايطالى1911-1942 .
3-    فترة الهجرات نحو المدن الكبرى .
•        هجرة  ما بعد الحرب العالمية الثانية1942-1960
•          هجرة ما بعد  ظهور النفط1960-1969.
4-    فترة حكم القذافى.1969-2011
•        فترة الافراط فى توزيع  أملاك الدولة 1969-1973.
•        فترة تعطيل القانون والسلطة التنفيذية1973-1978.
•        فترة اللجان الثورية 1978-1988.
•        فترة الانفلات والحصار 1988-2002
•        فترة استخدام القانون لمصلحة أجهزة الدولة2002-2007 .
•        فترة فساد سلطات الضبط القضائى2007-2011
5-    فترة ما بعد 17 فبراير2011-

سيتم اعتماد مدينة طرابلس  كحالة دراسية وذلك لتوفر المصادر والمراجع الى حد مقبول بالاضافة الى معايشة الباحثين لهذه الفترة ومعاصرتهم لمن عاشوا فى معظم هذه الفترات.

كما تهدف الورقة الى توضيح نقاط الضعف والقوة  التى صاحبت كل فترة زمنية تشكلت فيها البيئة العمرانية   سواءا بشكل قانونى او من خلال سلوكيات الافراد والجماعات فبها كما ستبين  الورقة البحثية  الفرص التى كانت متاحة و والمخاطر  التى نرتبت فى كل فترة الأمر الذى ساهم  مساهمة فعالة في عملية  تشكيل  البيئة العمرانية فى  ليبيا بشكل سلبى او ايجابى أحيانا   والغاية القصوى المرجوة من هذه الدراسة هو توجيه السلوك الاجتماعى للافراد نحو اعادة تكوين  بيئة عمرانية مستقرة اجتماعيا  واقتصاديا و بالتالى أمنيا.
ومن المعروف  ان البيئة العمرانية تتشكل من التخطيط بشكل عام ومهما كانت بدائية البيئة العمرانية فهى عملية بداية  لتنظيم التجمع البشرى بعد قرار مجموعة من  الافراد  الاستقرار فى مكان ما  من هذه الارض .

كانت البيئة العمرانية تبدأ عشوائيا فى المجتمعات القبلية ثم بدأت تنظيمية ومخططة فى المجتمعات الامبراطورية  العسكرية المنظمة  كالرومان والاغريق والصينيين  وحديثا  يقوم المتخصصون ذووا الخبرة بالتخطيط لمنطقة جغرافية  ما  تكون بها تجمعات  د يموغرافية يراد التحكم في سلوكياتها   للحصول على أفضل وسيلة لضبط السكان وتنظيم عمرانهم والاستفادة من الطبيعة الطوبوغرافية والحفاظ على  الموارد الاقتصادية المتوفرة بها  .

ومعلوم أن للتخطيط  درجات تبدأ من التخطيط الاقليمى الى التخطيط الحضرى الى التخطيط العمرانى الى التصميم الحضرى  الذى يمثل الرابط الوثيق بين المخططين والمعماريين الذين يقومون بالتصميم المعماري و يتابعون تنفيذ تفاصيله التنفيذية مع باقى التخصصات الهندسية، فكل هذه التقسيمات التخصصية  فى التخطيط للبيئة العمرانية تهدف  لايجاد الحلول للزيادات السكانية  وحركتهم وتفاصيل حياتهم ونشاطاتهم التى تنتج من التأخر فى معالجتها   عشوائيات عمرانية غير مخططة أو فى أفضل الحالات تجمعات عمرانية رديئة التخطيط  تسبب أزمات  فى حركة المواصلات والمرور والسبب الرئيسى فى ذلك هو عدم توفر الخدمات الاساسية للافراد   فى مناطق السكن العشوائى فيتجه الافراد تلقائبا وبدون وعى الى المدينة المخططة و القائمة بحركة  مرور ومواصلات لا تستوعبها شوارع المدينة المخططة  لأن هذه العشوائيات بنيت  بشكل غير منظم فى مناطق غير مخططة ودون خدمات ولا تتوفر فيها أقل الاشتراطات التخطيطية كاتساع الشوارع مثلا  الأمر الذى أنتج  سلوكيات فردية عند  بدايتها ثم تصبح سلوكيات  جماعية متعارف عليها أو مسكوت عنها فتتحول السلوكيات الى تصرفات  تؤدى الى  اهلاك الموارد الطبيعية كالاراضى الزراعية الخصبة والتسبب فى التضخم الاقتصادى الكبير الناتج من ازدياد الطلبات على مواد البناء وارتفاع الطلب على الاراضى داخل المخططات المعتمدة وازدياد أسعارها بشكل رهيب الأمر الذى يساهم فى تفاقم السلبيات الناتجة من بناء هذه العشوائيات كعدم الرغبة فى توفير أراضى للخدمات الضرورية بهذه العشوائيات كخدمات الصحة والتعليم و التزود بالطاقة و المياه و الصرف الصحى كما أن هذه العشوائيات العمرانية غير المنظمة ستوفر  فيما بعد مناخا خصبا للاستقلال الاجتماعى المنفصل عن قانون الدولة والذى سيساهم تلقائيا  فى تكون جماعات فكرية وعقائدية قد  تخرج عن  القانون والنظام العام للدولة وبهذا تفلت هذه الجماعات من السيطرة  والتحكم  فى سلوكيات أفرادها الامر يسبب فى عدم توفر الامن أو نشوء قوى وسيادات عرفية فى أفضل احوالها  موازية لسيادة الدولة والقانون ان لم تكن على النقيض من ذلك.

وكما هو معلوم أيضا أن هناك نظريات متعددة للتخطيط الإقليمي والعمراني تهدف إلى تنظيم الحياة العمرانية للسكان. فالتخطيط مع مراعاة تأثير السلوك الاجتماعى للافراد  سيصبح  سمة من سمات العصر ويؤثر بكل المجالات وبمختلف الابعاد  خاصة بعد تنامى التواصل الاجتماعى للافراد والجماعات باستخدام ثورة المعلومات عبر الانترنت.

وعليه فان التخطيط  للبيئة العمرانية مع  مراعاة الاحتياجات النفسية  والبيئية والاجتماعية للفرد والجماعة  دون اهمال التطور التقنى والمعلوماتى للحياة المعاصرة هو استقراء مسبق  لاحتياجات السكان من مختلف الاجناس و الاعراق عندما يتجمعون في مكان ما وفى  زمن ما نتيجة لطفرة ديموغرافية عارضة كظهور النفط او نشوب حرب او هجرة جماعية  وهذا هو  المفهوم الشامل لتنسيق  أى تجمع سكانى قبل أن يتحول الى قرية  كأمر واقع ثم الى مدينة وهذا التنسيق يقترض  أن يشمل دراسة  كل النواحي الوظيفية والجماليات البصرية والاحتياجات الاقتصادية و الاجتماعية  و الامنية للجماعة البشرية محل الدراسة.

          ومن هنا فالتخطيط للبيئة العمرانية لهؤلاء الافراد  يمثل يوفر فرصة  ايجابية تهدف  لخدمة المجتمع فيصبح لزاما ان يكون السلوك  الاجتماعي للافراد  والجماعات عاملا أساسيا  في تشكيل و بناء المخططات  وبالتالي توفير الامن الاجتماعي كواحد من أهم متطلبات التخطيط العام الذى يخدم استقرار الدولة .
فنشاط  الافراد وسلوكياتهم  تحكمه حاليا   العادات والتقاليد والأعراف المتأصلة في هذه الجماعات البشرية المترابطة عرقيا  فى مناطقهم التى يهاجرون منها الى المدن الكبرى ولا يحكمه النظام العام للدولة نتيجة  لعدم مسارعة  الدولة الى تطبيق للمخططات التى عادة ما تسبق  تكون التجمعات البشرية وتوفر لها احتياجاتها المعيشية وتسيطر عليها بالقانون.

البيئة العمرانية  في ليبيا غالبا ما  تمثل  مكان إقامة واستقرار للافراد الذين  هاجروا من مناطقهم بالدواخل فجأة وليس بشكل  تدريجي وهكذا أصبحت    محل ثقافة متميزة  لجماعات بشرية  تشمل أعراف السكان   وعاداتهم  و معتقداتهم  وانتماءاتهم العرقية وتتميز  كل  منطقة داخل كل مدينة  كبيرة بنمط  ثقافي خاص وسلوكيات فردية متميزة عن غيرها.

إن اختفاء التصنيفات السكنية ذات الاراضى المتراصة والمتلاصقة  التى تميزت بها المناطق السكنية المسماة  داخل المخططات المعتمدة حاليا فى مدينة طرابلس بالمناطق المتخلفة من المخططات الجديدة والتى تحمل الرمز التخطيطى ( س4)و(س5) ذات الاراضى التى تتراوح بين 150-300متر مربع والاكتفاء بالرمز (س3)و (س2) و(س1) ذات الاراضى التى لتتراوح مساحتها بين 400 و 1000متر مربع هو الذى دفع كل المواطنيين التى تشوه مفهوم المسكن ومفهوم الخصوصية  ومفهوم الاحتياجات والامكانيات  لديهم ودفع بهم دون وعى منهم الى الهروب خارج المخططات المعتمدة وتكوين العشوائيات فى قطع اراضى معظمها 500متر مربع  بعيدا عن مناطق الخدمات و  بشوارع ضيقة ودون صرف صحى ودون  طرق معبدة ودون مدارس ولا خدمات صحية..ولا مرافق خدمية وبعيدا عن مناطق العمل .كما ان اختفاء التصنيفات السكنية ذات الاراضى المتراصة والمتلاصقة  من المخططات التى اعتمدت بعد الثمانينات من القرن الماضى قد ضاعف مساحات الاراضى المستغلة فى المخططات السكنية الى مايزيد عن 60% مما قد يحتاجه التوسع السكانى للاسر المتكونة حديثا والتى لاتحتاج الى قطع ارضى كبيرة ولا مساحات مسقوفة كبيرة للوحدة السكنية ذات الكثافة المنخفضة ..كما ان اعتماد النظم التخطيطية الغربية  والاوربية فى تقسيم الاراضى بأفنية محيطة بالنسكن بمساحة تشكل اكثر من 70% من مساحة الارض المخصصة للوحدة السكنية الواحدة  وفرضها بقوة القانون  بدلا من ان تكون هذه الافنية  داخل المسكن نفسه  وبمساحة لاتصل حتى الى 25% من مساحة الارض المخصصة للوحدة السكنية الواحدة وبحوائط متلاصقة بين الوحدات السكنية بحيث توفر الخصوصية التى يطمح اليها كل مواطن كما تضمن الحماية من الظروف البيئة السلبية كالحرارة والبرد وتوفر بيئة سكنية حميمة ومريحة مناخيا للاسرة...لا تتوفر الى الان مخططات بهذه التصنيفات الاصيلة للبيئة السكنية المحلية فى ليبيا ولم تشرع لها قوانين لتنفيذها بل وصار من المتعارف عليه بين السكان أن هذا مخالف للقانون فى حين ان القانون هو المخالف للبيئة العمرانية الاصيلة فى ليبيا ولهذا

ستتجه هذه الدراسة الى  تحقيق النقاط التالية :-
1- الاتجاه إلى اعتماد نظام  التخطيط الاسكانى المتراص والمتلاصق بقطع اراضى ذات أفنية داخلية فسيحة بدلا من الافنية المحيطة من كل الجهات  بالمسكن الذى يطمح اليه كل مواطن  ليبى حاليا  مع ضمان الحد الادنى  والحد الاقصى للاحتياجات  السكنية للاسرة الليبية حسب حجمها واحتياجاتها وامكانياتها .
2- تحديد حجم كل مجاورة سكنية من خلال طريق محيط بها يمنعها من التوسع الافقى ويوفر نظام حركة سيارات السكان والنقل العام دون السماح باختراق مركز المجاورة الذى سيستخدم الطرق المبلطة للمشاة بدلا من الطرق المعبدة للسيارات.
3- توفير الخدمات التعليمية والصحية والترفيهية للسكان حول ساحة عامة فى مركز المجاورة المتراصة يصلها كل السكان سيرا على الاقدام وتوفير الحد  الادنى الذى يسمح بدخول  حركة السيارات للضرورة  .
4- التركيز على توفير النقل العام بكل الوسائل وبشكل ميسر ومخفض التكاليف  ( حافلات- ترام –مترو...الخ) لتقليل الرغبة فى اقتناء المركبات الالية الخاصة للسكان.
5- التحكم فى تقسيم الاراضى  والمبانى داخل وخارج المخطط من خلال اصدار اللوائح والقوانين التى تضمن عدم تقزيم الاراضى من خلال التركات والمواريث والهبات والمقاسمات بين الشركاء.
6- التوعية الاعلامية المتواصلة والمتجددة للمواطن باهمية اتباع المخططات وتبيان مصلحته فيها والمفاسد المترتبة على مخالفتها باستخدام الاعلام المرئى والمسموع والمقروء.
7- محاصرة العشوائيات القائمة بهدف تهذيبها والشروع فى شراء الاراضى الزراعية المحيطة بها للدولة بشكل قانونى بدلا من الهدم والازالة التى تكلف الدولة مبالغ باهضة وفى نفس الوقت لاتحل مشكلة العشوائيات.
8- فتح الاستثمار للقطاع الخاص بشكل قانونى فى أراضى الدولة التى تشتريها حول  العشوائيات والبدء فى فتح المسارات المخططة فيها وتوفير الخدمات فيها وذلك لتخفيض التنافس الذى يسبب التضخم وازدياد سعر الاراضى و مواد البناء .
9- وضع الاسس التصميمة الجديدة من خلال المقياس الانسانى ومن خلال  دراسة الحياة الاجتماعية والسلوكيات الخاصة  التى تميز المجتمع الليبى فى تصميم الوحدات السكنية و مسارات الحركة المرورية و الازقة والساحات والاماكن العامة داخل الحيز السكنى .
10- الانفتاح الى الداخل من خلال الافنية المغلقة الخاصة والانغلاق عن الخارج من خلال تراص المبانى واعتماد نظام البناء بالحوائط الحاملة لتقليل الحاجة الى الخرسانة والبناء الهيكلى بحديد التسليح.
11- استخدام المفردات المعمارية والفنية  المحلية والالوان البسيطة والنباتات المحلية داخل الافنية والساحات العامة.
12- العمل على  بناء تجمع سكنى بهذه المواصفات  يخصص جزء منه كنموذج مفتوح بشكل دائم  للمعاينة وذلك لتوعية المواطن من خلال المعايشة الحقيقية لهذا النوع الاصيل من البيئة السكنية المناسبة لنا والتى افتقدناها من خلال اعتماد النظم الغربية للسكن فى ليبيا.



لقاء مع السقيفة الليبية




جمال اللافي: ”المشهد المعماري في ليبيا متأزم. ويعاني…“
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

السقيفة الليبية: لكل بلد ومدينة طابع معماري خاص، يسعى المسؤولين في هذا البلد أو ذاك، لإبرازه والاهتمام به، وكذلك أهل هذا البلد، وخاصة إن كانت مدن أثرية تحمل التاريخ على أسوارها، وتحفظ أصالتها لتهدي العابرين جمال النظر، ومغامرة رحلة لأزمنة بعيدة، عبر نوافذها وأبوابها وأقواسها وقلاعها، هي ثقافة مكانية زمانية تنتقل من جيل إلى جيل. وسط تغول الحداثة، واختلاف الأذواق والاحتياجات، اختفى هذا الطابع الجميل ولم نعد نراه كثيراً في ليبيا، لكن هناك دوماً الباحث عن مكامن الجمال في الموروث المعماري الليبي.

ماذا سيحدث لو فكرنا بطريقة مختلفة عندما نتعاطى كمستثمرين عقاريين مع مجموعة من الوحدات السكنية؟

سؤال يطرحه باحث ومصمم معماري، مهتم بدراسة العمارة الإسلامية المحلية في ليبيا، وعبر مدونته "الميراث" يطرح رؤية معمارية إسلامية معاصرة، تعتمد على إعادة إحياء روح التكامل بين المعماري والحرفي لإنتاج عمارة تتفـاعل مع حاجات المجتمع المعاصر المادية والروحية وتطويع التقنيات الحديثة واستخداماتها لصياغة رؤية مشتركة لعمارة بيئية، تراعي الخصوصية الثقافية والظروف المناخية والاقتصادية لمختلف المناطق والبيئات المحلية.

جمال اللافي يسعى لتصحيح مفهوم العالمية في أذهان المبدعين المحليين، وذلك من خلال تسليط الضوء على حقيقة مرامي الدعاة إليها أو المنساقين وراءها. وكي لا تشكل العالمية هاجسنا الأول الذي يدفع بنا إلى أن نرمي باحترامنا لذواتنا خلف ظهورنا جريا وراء سراب اسمه تفوق الآخر.

وللتعريف بمدونة "الميراث" أكثر يقول مؤسسها الباحث والمصمم المعماري جمال اللافي، استدعت حاجة المعماريين والتشكيليين والحرفيين في ليبيا إلى منبر إعلامي ملتزم بقضايا المجتمع يتم من خلاله تواصلهم اليومي مع شرائحه المختلفة، إلى إطلالة هذه الصفحات النقدية، لترسيخ عدة قيم قد يكون مفهومها غائبا عن بعضنا وقد تحمل معاني مختلفة عند البعض الآخر، ولكننا نتفق مع الكثيرين حولها. ولا بأس من تكرار طرحها بمقتضى الضرورة القصوى إلى إعادة التذكير بما نكون قد نسيناه أو تناسيناه في زحمة السعي وراء فضاء يأوينا بعد أن هجرنا ألفة بيت العائلة الحميمة، ونحن نتطلع إلى البدائل المستوردة وهي تغتال فينا كل يوم إحساسنا بكل ما هو أصيل وجميل.

قيمة أخرى تعيد طرحها هذه المدونة على مائدة الحوار بين أصحاب المهنة الواحدة تحديدا وبين أفراد المجتمع على وجه العموم، وهي احترام الرأي الآخر والتفاعل معه على أساس أنه يهدف بالدرجة الأولى إلى الارتقاء بالعمل الإبداعي "المعماري والتشكيلي والحرفي" إلى مرحلة التفاعل مع هموم واحتياجات المجتمع والتعبير عن تطلعاته إلى حياة أكثر استقرارا وإنتاجية.

السقيفة الليبية تواصلت مع الأستاذ جمال اللافي وكان لها معه هذا الحوار:

 - أين درس جمال اللافي وبمن تأثر؟

·   درست العمارة بقسم العمارة والتخطيط العمرانية بكلية الهندسة جامعة طرابلس 1980. ولم اتأثر بأي أحد خلال دراستي بقسم العمارة ولا بعدها. وذلك لأنني التحقت بقسم العمارة منطلقا من رغبتي في الإسهام في الارتقاء بعمارتنا الليبية المحلية وكان دافعي الأول إعادة الاعتبار لحوش العائلة كنظام إسكاني يضم في رحابه الأجيال الثلاثة (الجدين والأبوين والأحفاد). وقد واجهت تصادما مع توجهات قسم العمارة في تلك الفترة، حيث كان يغلب على أعضاء هيئة التدريس التوجه الحداثي الذي يرفض كل أنماط العمارة التقليدية والقيم التي تنطلق منها. أحدهم يخبرني بأن توجهي هذا لم يعد له وجود إلاّ في المقابر (أي بمعنى أنه مات وعفى عنه الزمن).

-  هل لجمال اللافي أي إنتاج فكري أو نشاطات ثقافية أو فنية اخري؟

·   بالتأكيد وكما أشرت في ردي على السؤالين السابقين فمسألة أن يحمل المعماري رؤية ولا يعمل على التعريف بها هو بمثابة وأد لها في مهدها. وحلم لا يقابله فعل على أرض الواقع، لهذا بدأ نشاطي العلمي، الذي يستهدف استنكاه مكامن التميز والخصوصية في موروثتا الثقافي إلى جانب التعريف به والدعوة إلى إعادة إحيائه في النتاج المعاصر، منذ مرحلة الدراسة بقسم العمارة والتخطيط العمراني، من خلال سلسلة من المعارض التي تعرف بهذا الموروث داخل قسم العمارة وخارجه. إضافة إلى القيام بمجموعة من الرحلات العلمية إلى المدن الليبية القديمة بمبادرة ذاتية صحبة أربعة من زملاء الدراسة. ستجدون على هذا الرابط المرفق سيرة ذاتية تحتوي على مختلف الأنشطة العلمية والثقافية التي ساهمت فيها استكمالا للرسالة التي أحملها ودعما لها.

-  حدثنا عن مدونة ”الميراث

·    اهتماماتي بإعادة إحياء العمارة المحلية برؤية معاصرة واجهت الصد، كما أشرت في السؤال الثاني ليس فقط من أساتذة قسم العمارة ولكن أيضا من زملاء الدراسة ومن بعدهم المعماريون الممارسون للمهنة وكذلك من المستثمرين العقاريين الذين كان يتردد بعضهم على مكتبنا الهندسي في بدايات الألفية الجديدة. لهذا رايت من الواجب التركيز على جانب الإعلام كأهم وسيلة للتعريف بقيم عمارتنا المحلية وجمالياتها (التي تفتقر إليها عمارة الحداثة بطبيعة الحال)، لهذا توزع نشاطي المعماري بين التصميم والنشاط الإعلامي التثقيفي منذ مرحلة الدراسة مرورا بفترة عملي بقسم الديكور بالإذاعة المرئية في الفترة من 1988-1990 ومن بعدها عملي بمشروع تنظيم وإدارة المدينة القديمة بطرابلس بعد التحاقي به في العام 1990، عبر إدارة تحرير مجلة آثار العرب. ومن بعدها المشاركة في تأسيس مجلة مربعات وعضوية تحريرها، إلى أن انتشر الإنترنت وأصبح متاحا للجميع فكانت هذه بمثابة إنطلاقة أخرى للتعريف بموروثنا الثقافي، ترتب عنها تأسيس هذه المدونة الشخصية في شهر يوليو من العام 2008 م. وذلك للتعريف بالعمارة المحلية من خلال نشر مقالاتي وكل ما توفر لدي من معلومات وبحوث ومقالات ودراسات لكتّاب آخرين ليبيين ترتبط موضوعاتهم بأهداف المدونة وهي مستمرة بفضل الله في أداء المهمة على أكمل وجه.

-  كيف يري جمال المشهد المعماري الليبي؟ مما يعاني؟ ومن هم أهم رموز العمارة في ليبيا؟

·    المشهد المعماري في ليبيا متأزم. وهو يعاني - رغم وجود حركة بناء واسعة ومتسارعة - من حالة فصام عن موروثه الثقافي وتخبط في تحديد توجهات معاصرة للعمارة الليبية يمكن التعويل عليها واحترامها، هكذا أراه. بالنسبة لرموز العمارة في ليبيا، لو تعلق الأمر بمن يصمم أفضل من الآخر، فهناك مجموعة لا بأس بها من المعماريين الليبيين المتميزين على الساحة الليبية. أما إذا تكلمنا من حيث وجود توجه معماري ورؤية يمكن تلمس ملامحها الفكرية وانعكاساتها المعمارية على أرض الواقع، فحتما نحن نتكلم عن الأستاذ والمعماري أحمد إمبيص. كذلك نتحدث عن الفنان التشكيلي الأستاذ علي قانة، الذي كانت له إسهامات في أكثر من مشروع معماري مع الأستاذ أحمد إمبيص بالإضافة لكونه يحمل رؤية فكرية وبعد نظر لقيم العمارة المحلية ومجالات الفنون التشكيلية الأخرى من منظور ثقافي محلي، وله في هذا إسهامات كبيرة أيضا. وفيما يتعلق بما يمكننا أن نطلق عليه عمارة الحداثة اصطلاحا، فجميع المعماريين الليبيين يتخبطون في هذا الاتجاه على رمال هذا الشاطئ في حالة عمه.

-  ماهي المعالم المعمارية الليبية التي لحقها الإهمال؟ أو التي تخشي أن يلحقها الضرر بسبب الاهمال والتسيب؟

·    جميع المدن الليبية التاريحية تم تخريبها بالكامل ولم يبق من بعضها إلاّ الأطلال التي تنعى ماضيها. باستثناء مدينة غدامس القديمة. وهي التي أخشى عليها أن يلحقها الضرر والتشويه من طرف بعض من سكانها ممن بدأ يطنب في زخرفة جدران شوارعها الأمر الذي لم يكن متعارفا عليه إلاّ في البيوت الغدامسية. وفنون الزخرفة في مدينة غدامس يعتبر نشاطا تستقل به المرأة الغدامسية عن الرجل الغدامسي، في حين أن شوارع غدامس كانت حكرا على رجالها دون نسائها. وكانت تمتاز بلونها الأبيض وبعض النقوش البيضاء التي تختلف اختلافا ملموسا عن النقوش التي تنتشر في البيوت الغدامسية. وهذا التشويه يلقى قبولا عند الكثيرين منهم. وما لم يوضع له حدا فسيتمادى أولئك المفسدون بدعوى التنشيط السياحي. وبالنسبة لمدينة طرابلس، فالخراب عمها من طرف سكانها. وتجار العملة. والمحسوبون على المؤسسة التي أنشئت منذ العام 1985 بهدف الحفاظ عليها وترميم معالمها التاريخية وإعادة إحياء صناعاتها الحرفية التقليدية وأسواقها التجارية التراثية.

-  من هو معلمك المعماري المفضل في ليبيا؟

·    فيما يتعلق بمعلمي فهي عمارة وتخطيط مدينة طرابلس القديمة بالدرجة الأولى، ثم باقي المدن الليبية التاريخية. فهي كانت ملهمي منذ انطلاقي في مجال العمارة، حيث شح التوجيه وافتقرت مكتباتنا إلى المراجع التي يمكن التعويل عليها… ولكن يبقى الأستاذ علي قانة (رحمه الله) الأقرب إلى نفسي بما يحمله من روح الانتماء لكل ما هو مرتبط بالموروث الثقافي الليبي وعلى رأسه العمارة المحلية. لم يكن له تأثير على مسيرتي من الناحية الفكرية أو التوجيهية لأنه كان يدرسنا مادة الرسم الحر، وحوارتي معه خلال فترة الدراسة لم ترتق إلى مستوى التبادل الفكري، بقدر ما اقتصرت على مجموعة من الأنشطة الطلابية. وتواصلي الحقيقي معه بدأ عندما قررت أن أوثق سيرته الذاتية من خلال شريط وثائقي للمخرج محمد المسماري في العام 2004 بعد تقاعده عن التدريس وعندها اكتشفت ثراء حصيلته المعرفية في جميع مجالات الفنون الجميلة والتطبيقية.

-  من هو معلمك المعماري المفضل خارج ليبيا؟

·    ليس لدي أي معلم خارج ليبيا، لأن الفترة التي تلقيت فيها تعليمي خلال فترة الثمانينات، لم تكن لدينا اي مصادر معمارية يمكن الاستلهام منها. كما أن توجهي المعماري هو توجه محلي بالدرجة الأولى ورؤيتي لا يمكن استلهام مصادرها من خارج ليبيا. ولكن في منتصف الثمانينات منحت جائزة الآغاخان للمعماري المصري حسن فتحي ثم تلاها منح هذه الجائزة لمجموعة أخرى من المعماريين العرب في فترة التسعينيات وعلى رأسهم المعماريين العراقيين رفعة الجادرجي ومحمد صالح مكية والمعماري الأردني راسم بدران. وهذا الأمر جعلني انتبه لوجود معماريين عرب يشاركونني هم عمارتهم المحلية ولكن بمنظور يتفاوت من معماري إلى آخر. وما اسعى إليه يبتعد كثيرا عن توجهاتهم الفكرية من حيث الطرح والتصميم المعماري لمشاريعهم. أتابع أخبارهم دون أن أشعر أنهم اضافوا جديدا لتجربتي المعمارية.

-  أنت مهتم ومتابع للمشهد التشكيلي الليبي أيضا… كيف جاء هذا الاهتمام؟ وما هي ملاحظاتك علي هذا المشهد؟

·    لست رساما ولكني ولدت في بيئة أسرية تزخر بالمواهب في مجال الرسم الحر والخط العربي ولهذا كان هناك العديد من الأعمال التشكيلية التي يتحفنا بها كل يوم أحد الأخوة خلال فترة طفولتي المبكرة، سواء تعلقت بالرسم الحر أو التشكيل بالطين أو الخط العربي. بالإضافة إلى علاقة القرابة التي تربطنا بالفنان التشكيلي علي العباني ورسمته الشهيرة للشرشارة على أحد جدارن مربوعة جدي بمدينة ترهونة، وما دار حولها من تعليقات الإعجاب والثناء من الأقارب يجعل لعلاقتي بالفن التشكيلي قصة أخرى. ولكن الاتصال الحقيقي مع اللوحة التشكيلية وما ترتب عنها من متانة العلاقة بهذا الفن بدأت بعلاقتي مع أستاذنا الفاضل الفنان التشكيلي علي قانة (رحمه الله) استاذ مادة الرسم الحر بقسم العمارة. ودراسة تقنيات الرسم الحر في ذاته يجعل التواصل مع الفن التشكيلي أمر طبيعي. ومن خلاله تم خلال فترة الدراسة التواصل مع الفنان التشكيلي الطاهر المغربي رحمه الله وزيارته في بيته وإجراء حوار مطول معه. وزيارة أخرى للفنان التشكيلي بلقاسم الزنتاني (الفروج) إضافة لزيارة للفنان التشكيلي علي العباني في بيته والاطلاع على أعمالهم وتجربتهم الشخصية. وفي العام 1991 بدأت علاقة أخرى مع سلسلة من المعارض التشكيلية بدءا بمعرض المستنسخات الذي افتتحت به الدار الليبية للفنون باكورة معارضها التشكيلية بالبرج رقم 3 بدات العماد وتلتها سلسلة من المعارض التشكيلية في قاعات عرض أخرى خلال السنوات التالية لهذا المعرض. والأهم من كل ذلك إطلاعي على هذا المجال ومدارسه عبر مجلة الحياة التشكيلية السورية ومجموعة من الكتب التي اقتنيتها من معارض الكتاب. إلى جانب صداقتي المتينة بمجموعة كبيرة من الفنانين التشكيليين الليبيين والخطاطين المبدعين…. وبالنسبة للمشهد التشكيلي في ليبيا فهو حي ومتدفق العطاء ويعج بالقامات الطويلة في هذا المجال بدءا برواد الفن التشكيلي الليبي في القرن التاسع عشر وحتى يومنا هذا. وإن كان لدي أي ملاحظة حول هذا المشهد فقد عبرت عنها من خلال مقالتي المنشورة بمدونة الميراث على هذا الرابط

 - كيف يتعامل جمال مع مواقع التواصل الاجتماعي؟

·    انظر إلى منصات التواصل الاجتماعي على أنها فرصة لي للتعريف بموروثنا الثقافي المعماري والدعوة إلى إعادة إحيائه في مشاريعنا المعاصرة. هي مجال لحملة توعية بين أوساط المجتمع الليبي، وليست مجالا لتمضية أوقات فراغ، فهذه الأوقات ليست موجودة عندي، فأنا بطبيعتي دائم الانشغال بشي ما، يتراوح ما بين التصميم المعماري. والكتابة التخصصية. والرحلات العلمية إلى مدننا القديمة أو المواقع والجهات التي يمكنني من خلالها إضافة شئ جديد لمشاريعي المعمارية. أو المشاركة في بعض الأنشطة العلمية المرتبطة بمجال اختصاصي. أو التجهيز لمحاضرة جديدة.

 - ماهي الرسائل التي يريد جمال ايصالها للمعماريين الليبيين وإلي المسؤولين؟

·    الرسائل الشفوية المعتمدة على الحوارات الطويلة والمتكررة في كل لقاء بيننا والرسائل المكتوبة عبر الدوريات ومواقع التواصل الاجتماعي لم تجد نفعا. اليوم أخاطبهم عبر نجاحي في إقناع العديد من المواطنين والمستثمرين بأهلية عمارتنا المحلية للتواصل مع هذا العصر ونجاحها في تلبية احتياجات المواطن الليبي العاطفية والمادية، في مقابل هزيمة عمارة التغريب. وانحسار بريقها حتى في البيئات التي ولدت فيها.

أشكركم على حسن الاستضافة، مع تمنياتي لصفحة السقيفة الليبية بالتوفيق والسداد في توصيل رسالتها الثقافية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* تجدون على هذا الرابط سيرة ذاتية تحتوي على مختلف الأنشطة العلمية والثقافية التي ساهم فيها الأستاذ جمال اللافي:




المصدر: صفحة السقيفة الليبية على موقع الفيسبوك:


المواضيع الأكثر مشاهدة

بحث هذه المدونة الإلكترونية